عين القضاة
14
شرح كلمات بابا طاهر العريان
هو الوجد بإيجاد الربّ ، أي يجعله العبد واجدا ، ومنه قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « اللّهمّ أوجدني رائحة الجنّة مع الأبرار » « 1 » . والمراد : أنّ وصل العبد إلى الربّ بإيصاله إيّاه إلى نفسه ، فهو مجذوب إلى ذاته ، فدليل العبد لا يوصله إلى ربّه ؛ لذلّة العبوديّة ، ودليل الربّ يوصله إليه ؛ لعزّة الربوبيّة ، ولهذا في الشاهد سيد له عبدان ؛ أحدهما محبّ له ، والآخر محبوب ، فالمحبّ يصل بمبلغ علمه ، وقصارى اجتهاده إلى قرب السيد ، لا إلى نفسه ، والمحبوب يصل إلى نفسه بجاذبة عنايته ، وداعية محبّته . بيان أقسام العلم قال : ( الخروج من العلم جهل ، والثبات مع العلم ضعف ، والمعرفة بالعلم توحيد ) . أقول : العلم والمعرفة كالجسد والروح ، لا يكمل أحدهما إلّا بالآخر ، وإن كانت المعرفة أشرف ، فالخروج من العلم إلى المعرفة جهل ؛ لأنّ الصورة وقاية المعنى ومظهره ، وحيث لا فلا ، وكذا الوقوف مع صورة العلم - دون الوصول إلى روح المعرفة - ضعف البصيرة ، واجتماع العلم والمعرفة توحيد ؛ لأنّ كلّا منهما يقابل الآخر ، مقابلة الصورة والمعنى . والتوحيد رفع التقابل ، بحصول هيئة وحدانية ، كمزاج حادث من ارتفاع التضادّ والتقابل بين أجزاء متركّبة ، والشرك في الحقيقة إثبات التقابل ، والباء في قوله : ( بالعلم ) بمعنى مع . قال : ( العلم بالمعرفة معرفة ، وبذات المعروف كفر ) . أقول : العلم يتعدّى إلى مفعوله بالباء وبنفسه ؛ كما في قوله سبحانه : عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [ آل عمران : الآية 119 ] ، و يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [ طه : الآية 7 ] ، وأصل هذه الباء للسببيّة ؛ لأنّ العلم صورة ذهنيّة تطابق الواقع ، فوجوده بالمعلوم ، وتعديته بنفسه ؛ لبيان معلومه ، والباء للإشارة إلى سببيّته ، وإن كان السبب والمعلوم هنا عبارتين عن معنى واحد ، لكنّه مختلف بجهتين .
--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لديّ من مصادر ومراجع .